عاجل

الرجل الذي ترك الضوء مشتعلًا

* بقلم: أحمد رضي

في المحرّق، سنة ١٩٣٣، جاء أحمد بن علي بن رضي إلى الدنيا من نافذة مستشفى صغير.

وفي بساتين السنابس وجدحفص والديه، كان أبوه يعرف الأرض كما يعرف كفّه. وكان أحمد يرقب النخيل ومواسمه، ويرى حركة الناس من البستان إلى السوق. هناك، في تلك السنوات الأولى، عرف معنى العمل قبل أن يعرف معنى الطريق.

ثم مات الأب.

غادر أحمد مدرسة الخميس قبل أن تكتمل طفولته، ودخل بابكو مبكرًا. ترك مقعد الدراسة، لكنه لم يترك الكتب؛ كان يعود إليها في الليل، يقرأ ما تصل إليه يداه، ويبحث عن إجاباتٍ لا يملك العمل وحده أن يمنحها.

لم يكن أمامه طريقٌ جاهز إلى العلم، فراح يشقّ طريقه بنفسه. ظل يقرأ ويتعلم، حتى قادته رحلته يومًا إلى كامبريدج؛ من طفلٍ غادر المدرسة مبكرًا إلى رجلٍ لم تسمح له الظروف أن يتخلى عن فضوله.

وكان يستحضر دائمًا مقولته:
«من لم يرمِ صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر».

وحين كبر بيته، لم يُرد لأبنائه أن يبدأوا من النقطة التي بدأ منها. فتح لهم أبواب العلم والسفر؛ مضوا إلى سوريا والهند وبريطانيا، يحمل كلٌّ منهم طريقًا مختلفًا إلى المعرفة. كان يعرف أن الأب قد يورّث أبناءه مالًا، لكنه يستطيع أن يورّثهم أيضًا فرصةً أوسع للحياة.

وفي السنابس، كان المأتم ذاكرةً أكثر منه جدرانًا.

حين هُدم البناء القديم، لم يكن الغبار يسقط على الحجارة وحدها؛ كان يعلو شيئًا من ذاكرة الناس. ثم عادت الحجارة إلى مواضعها، وعاد السقف، وعاد المكان يستقبل أهله.

وامتد اهتمامه إلى ما وراء الجدران: أسهم في دعم مؤسسات السنابس والعمل الخيري، وحوّل جزءًا من ماله إلى أوقافٍ تصل غلتها إلى المحتاجين. كان يرى أن المال إذا بقي عند صاحبه انتهى، أما إذا صار أثرًا، أمكنه أن يواصل طريقه بعده.

كبر أحمد، وخفّت خطواته في الطرقات، ولزم منزله.

وفي ليلةٍ من ليالي رمضان، زرته في مجلسه، بين أولاده ومحبيه.


كان المجلس عامرًا بالوجوه والحكايات. يرسل السلام إلى البعيد، ويستحضر الراحلين بصورهم وذكرياتهم، كأن الغياب لم يكن بابًا يُغلق. ينتقل في حديثه بين أسماء الناس وأيامهم، وبين الحاضر وما بقي من الماضي، حتى يخال الجالس أمامه أن الجميع ما زالوا جزءًا من الحكاية.

كان في قلبه متّسعٌ للناس؛ يحبهم على اختلافهم، ويرى في محبة أهل البيت معنىً يمتد من القول إلى السلوك.

وحين هممت بالانصراف، بقي جالسًا في مجلسه، تحيط به وجوهٌ أحبّها وأحبّته.

خرجتُ.

وظل الباب خلفي مفتوحًا.

ثم مضى أحمد.

أما الضوء، فظلّ هناك.

ومنذ ذلك اليوم، كلما مررتُ من هناك، لم أطرق.

كنت أعرف أن الضوء في الداخل لم ينطفئ.

للمشاركة:


Ahmed Radhi
Ahmed Radhi
أحمد رضي - كاتب صحفي وإعلامي مستقل، مملكة البحرين. * مراسل إعلامي سابق لقناة المنار الفضائية، ومتعاون مع العديد من المحطات الإعلامية. * مدون إلكتروني ناشط، وله كتابات سياسية واجتماعية وفكرية منشورة بالصحافة المحلية والعربية والمواقع الإلكترونية. * ناشط حقوقي للدفاع عن حرية الصحافة والإعلام وحقوق الإنسان وكشف الانتهاكات النظام الحقوقية. * عضو بجماعة ١٩ الإعلامية المهتمة بالدفاع عن حرية الرأي والتعبير وقضايا الإعلاميين. * عضو سابق بمرصد البحرين لحقوق الإنسان، وعضو بمنظّمة فرونت لاين ديفندرز (مراسلون بلا حدود). * عضو بلجنة دعم الصحفيين. * تعرض إلى الاعتقال ثلاث مرات عام 1995 آبان الانتفاضة الشعبية، وعام 2012 و2014 بسبب نشاطه الإعلامي، وتم منعه من السفر لخارج البحرين عدة مرات، وحالياً يمارس نشاطه الإعلامي في ظل ظروف صعبة وغير آمنة.



للإشتراك في النشرة البريدية 📩