عاجل

بيوت على حافة السماء

 بقلم: أحمد رضي، البحرين

في أعلى جبال باكستان، حيث تضيق الطرق وتصبح السيارة عاجزة عن الوصول، لفت انتباهي وجود بيوت صغيرة تقف على سفوح المرتفعات، بعيدة عن المدن وضجيجها، وكأنها اختارت لنفسها مكانًا آخر للحياة.

بعض هذه البيوت قائم منذ أجيال طويلة، وربما يعود بعضها إلى مئات السنين. قد تصل إليها الكهرباء والماء، لكن الإنترنت لا يصل إليها. بيوت على حافة الخطر، لا يمكن الوصول إليها بسهولة، ومع ذلك تستمر فيها حياة كاملة.

توقفت أمام المشهد وسألت نفسي: كيف يبدأ صباح الإنسان حين لا يكون الهاتف أول ما تقع عليه عيناه؟ كيف يبدو العالم في عيني من لا تصله أخباره كل لحظة، ولا يعيش وسط سيل الرسائل والصور والتنبيهات؟

لا أعرف كيف يعيش أهل هذه البيوت تفاصيل أيامهم، ولا أريد أن أتحدث باسمهم. لكنني تخيلت حياة تدور حول الأرض، والزراعة، والمواشي، والماء، والحطب، ومواسم المطر؛ حياة يصبح فيها للسماء والريح والطبيعة معنى مختلف.

هناك، قد يعرف الإنسان تغير الطقس أكثر مما يعرف أخبار العالم، ويحفظ تضاريس المكان كما نحفظ نحن شوارع مدننا.


لكن هذا الهدوء ليس مجرد صورة جميلة.

فالسكينة قد تخفي وراءها تعبًا، والعزلة قد تصبح قاسية حين يأتي المرض، أو حين يحتاج الإنسان إلى طبيب أو طريق أو شيء لا تستطيع الأرض أن توفره.

وهنا بدا لي أن لكل حياة وجهين.

نحن نملك الطرق والمستشفيات والمتاجر والإنترنت، ونستطيع الوصول إلى العالم خلال ثوانٍ، لكننا ندفع أحيانًا ثمن ذلك من وقتنا وهدوئنا.

نعرف أخبار العالم كلها تقريبًا، لكننا قد لا نجد وقتًا لنسأل أنفسنا: كيف حالنا؟

أما هناك، فقد تكون المسافة بين الإنسان والعالم أكبر، لكن المسافة بينه وبين الأرض أقصر.

وربما جعلني هذا أتساءل عن شيء أكثر حميمية: كيف تكون صلاة الإنسان في مكان كهذا؟

حين يهدأ المكان، ويحل الليل، ولا يبقى حوله إلا السماء والريح وبيته الصغير، ربما يكون دعاؤه أطول من دعائنا، أو أبسط.

وربما لا يحتاج إلى كلمات كثيرة؛ يكفيه أن يرفع عينيه إلى السماء، ويضع فيها كل ما عجز عن قوله.

فحين تضيق المسافة بين الإنسان والسماء، قد تتغير أشياء كثيرة في داخله.

كيف يتحمل الإنسان ألمًا لا يراه أحد؟

حين يمرض، أو يفقد عزيزًا، أو تضيق به الحياة، ولا يكون قريبًا منه مستشفى أو صديق أو جار، من يسمع أنينه؟

وحين يبكي وحده، من يعرف أن قلبه مثقل؟

ربما هنا يصبح الإيمان شيئًا أكثر من كلمات تُقال؛ يصبح قدرة على الاحتمال، وطمأنينة يستند إليها الإنسان حين لا يجد في الأرض ما يستند إليه.

وربما يعيش ذلك الإنسان، وسط هذا الصمت، انتظارًا من نوع آخر.

ينتظر الرجل الموعود الذي سيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا؛ ينتظره لا بوصفه خبرًا بعيدًا، بل كأمل يسكن القلب، وشوقًا إلى يوم يصبح فيه للعدل مكان أوسع من هذا العالم المضطرب.

وأتساءل: كيف يرى إنسان يعيش بعيدًا عن المدن كل هذه الفوضى التي تضج بها الأرض؟

الحروب، والظلم، والقتل، والصراعات، وتنافس الناس على المال والقوة والنفوذ...

هل تبدو له هذه الأشياء قريبة، أم بعيدة مثل المدن التي لا يراها؟

ربما يختلف الإنسان حين يقلّ احتكاكه بضجيج العالم، وربما يصبح أكثر قدرة على النظر إليه من مسافة.

وربما لا يملك أن يغيّر شيئًا من كل ما يحدث، لكنه يملك أن يحافظ على قلبه، وأن يصبر، وأن يزرع أرضه، ويرعى ماشيته، ويواصل حياته، وهو يؤمن أن الظلم، مهما طال، ليس نهاية الحكاية.

وربما لهذا جعلتني تلك البيوت أفكر في معنى النعمة.

نحن نعتاد الماء والكهرباء والطريق والاتصال، حتى لا نعود نراها نعمًا. لكن حين ترى بيتًا فوق مرتفع، وتدرك صعوبة الوصول إليه، تفهم أن أشياء نعدّها عادية قد تكون في مكان آخر نعمة عظيمة.

وفي المقابل، ربما يملك أهل تلك المرتفعات نعمًا لا ننتبه إليها: سماء واسعة، وهواء نقي، وصمتًا طويلًا، وأيامًا لا تقطعها الإشعارات.

لا أقول إن حياتهم أفضل، ولا إن حياتنا أسوأ.

فكل حياة لها أثمانها.

لكنني غادرت وأنا أفكر:

هل نحن الذين نعيش قريبًا من العالم، أم أننا ابتعدنا عن أنفسنا حين أصبح كل شيء يصل إلينا؟

ربما لا نحتاج إلى ترك المدن والصعود إلى القمم.

ربما نحتاج فقط إلى أن نتوقف قليلًا، وأن نعيد النظر في الأشياء التي اعتدنا عليها، وأن نتذكر أن الإنسان قد يكون محاطًا بكل وسائل الاتصال، ومع ذلك يعيش وحيدًا؛ وقد يكون بعيدًا عن العالم، لكنه يجد في السماء أنيسًا، وفي الإيمان صبرًا، وفي الانتظار أملًا.

فربما لا يكون معنى الحياة أن نملك المزيد، بل أن نعرف قيمة ما نملك.

وحين غادرت، بقيت تلك البيوت معلقة في ذاكرتي كما كانت معلقة بين الأرض والسماء.

وربما لم يكن أكثر ما أثّر فيّ بعدها عن العالم، بل ذلك القرب الصامت من السماء؛ حيث يستطيع الإنسان أن يحمل وحدته وألمه وصبره وانتظاره، ثم يرفع يديه في الليل، مؤمنًا بأن هذا العالم، بكل ما فيه من ظلم وفوضى، ليس آخر الحكاية.

وربما لهذا تذكرت مناجاة الإمام علي عليه السلام، وهو يقول بقلب حزين:
«اللهم إني أسألك الأمان يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم. وأسألك الأمان يوم يعضّ الظالم على يديه، يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا».

وبقيت تلك البيوت في ذاكرتي... معلّقة بين الأرض والسماء، بعيدة عن ضجيج العالم، وقريبة من ذلك المكان الذي يذهب إليه الإنسان حين تضيق به الأرض:
السماء.

للمشاركة:


Ahmed Radhi
Ahmed Radhi
أحمد رضي - كاتب صحفي وإعلامي مستقل، مملكة البحرين. * مراسل إعلامي سابق لقناة المنار الفضائية، ومتعاون مع العديد من المحطات الإعلامية. * مدون إلكتروني ناشط، وله كتابات سياسية واجتماعية وفكرية منشورة بالصحافة المحلية والعربية والمواقع الإلكترونية. * ناشط حقوقي للدفاع عن حرية الصحافة والإعلام وحقوق الإنسان وكشف الانتهاكات النظام الحقوقية. * عضو بجماعة ١٩ الإعلامية المهتمة بالدفاع عن حرية الرأي والتعبير وقضايا الإعلاميين. * عضو سابق بمرصد البحرين لحقوق الإنسان، وعضو بمنظّمة فرونت لاين ديفندرز (مراسلون بلا حدود). * عضو بلجنة دعم الصحفيين. * تعرض إلى الاعتقال ثلاث مرات عام 1995 آبان الانتفاضة الشعبية، وعام 2012 و2014 بسبب نشاطه الإعلامي، وتم منعه من السفر لخارج البحرين عدة مرات، وحالياً يمارس نشاطه الإعلامي في ظل ظروف صعبة وغير آمنة.



للإشتراك في النشرة البريدية 📩