٢٥ مايو ٢٠٢٦
بقلم: أحمد رضي.
في هذا اليوم حيث يحتفل أشقاؤنا في أرض الأرز بعيد التحرير والمقاومة، أجدني أحتفل بميلادي. فبينما يحتفل البعض بتحرير الأرض من المحتل، لا يزال كثيرون منّا منشغلين بالسؤال: هل تحررت الأقلام من خوفها؟ وهل نجحنا، بعد كل تلك التضحيات، في رسم وطنٍ يتسع للحب أكثر مما يتسع للخوف؟
ككاتبٍ بحريني، قضيتُ سنواتٍ طويلة أبحث عن فسحةٍ صغيرة تمرّ منها الكلمة دون أن تتعثر بالحواجز؛ أترك المعنى معلقاً بين السطور، كرسالةٍ سرية يتداولها الذين يؤمنون بأن الحقيقة ليست تهمة.
مراسلٌ سابق، ومدونٌ إلكتروني، وناشطٌ حقوقي، ويا لها من مهنةٍ شاقة في زمنٍ تُعامل فيه الحقيقة كمنشورٍ محظور، والكلمة كأثرٍ جنائي. اختبرنا كيف يضيق الفضاء بالكلمة، وعرفنا ثمن أن تقول إن للإنسان حقاً في أن يفكر بصوتٍ مرتفع. ففي بعض البلاد، لا يحتاج المرء إلى ارتكاب جريمة كي يصبح مشتبهاً به؛ يكفي أحياناً أن يمتلك ذاكرةً جيدة، أو قلماً لا يجيد التصفيق.
في لبنان، يحتفلون بالتحرير من عدوٍ له جيشٌ وحدود مغتصبه. أما هنا، فالأمور أكثر تعقيداً. أحياناً لا يأتي القيد بسلاسل، بل بربطة عنقٍ أنيقة وخطابٍ طويل عن الحكمة والاستقرار. لذلك تبدو مقاومة الكلمة أكثر إنهاكاً؛ لأنها لا تواجه جداراً واحداً، بل متاهةً من الخوف والرقابة والتهم المعلّبة.
أن تكون كاتباً مستقلاً في هذا الزمن، فذلك يشبه أن تبحر بقاربٍ من ورق في بحرٍ تمتلئ مياهه بتقارير الولاء. يبقى الحنين إلى الحرية غريزةً لا تموت، شيئاً يشبه الحلم أو الإصرار الغامض على النجاة.
لذلك سيبقى قلمي منحازاً لأولئك المغيبين والذين لا يملكون منابر، أولئك الذين يختفون خلف الضجيج ويقفون بصمتٍ على هامش الصورة. لأن الكاتب الذي يفقد انحيازه للإنسان، يفقد مبرر وجوده كله.
وبينما يطفئ البعض شموع الاحتفال بالتحرير، أجدني أفكر بتحريرٍ آخر لم يأتِ بعد: تحرير الإنسان من الخوف، والكلمة من الوصاية، والكرامة من الابتزاز، والروح من هذا التعب الطويل. ربما يبدو حلماً بعيداً، لكن الأحلام كانت الوقود الوحيد لمن لا يملكون إلا أصواتهم.
حتى ذلك الحين، سنواصل الاحتفال بأعياد التحرير: أن نكتب بحريةٍ على الورق… ثم نبحث عمّن يجرؤ على قراءتها. أما أنا، فسأطفئ شمعتي، وأتمنى أمنيةً واحدة: أن يصبح قول الحقيقة يوماً ما فعلاً عادياً… لا ملفاً جديداً في درجٍ قديم.
https://www.instagram.com/p/DYxNfDhDS38/?igsh=MXdtcmZvZ3lvcnNoZA==
