بقلم: أحمد رضي (كاتب بحريني).
في حلقة ثرية من بودكاست "سيرتي"، قدّم الشيخ المثقف علي المحرقي تجربة تستحق التأمل؛ تجربة إنسان تشكّلت علاقته بالوعي عبر القراءة والبحث المستمر. لم يكن حديثه مجرد استعراض لسيرة شخصية، بل بدا أقرب إلى رحلة شيقة في معنى المعرفة، وكيف يمكن للكلمة أن تسهم في تشكيل الإنسان وتوسيع نظرته إلى الحياة.
استعاد
المحرقي بداياته الأولى مع القراءة، بدءًا من قصص الأنبياء ومجلة
"ماجد"، وصولًا إلى الكتب الفكرية التي تركت أثرًا عميقًا في وعيه،
ومنها كتاب "بين الله والإنسان" للشيخ محمد جواد مغنية. هذا الانتقال من
القراءة البسيطة إلى الفكرية لم يكن مجرد تغير في نوعية الكتب، بل تطورًا تدريجيًا
في الأسئلة والرؤية والاهتمامات، وهو ما يعكس أهمية البدايات القرائية في تكوين
شخصية الإنسان ووعيه.
ومن
المحطات اللافتة في حديثه استحضاره لتجربة الأديب والمفكر عباس محمود العقاد، الذي
استطاع أن يصنع مكانته الفكرية بالقراءة والاجتهاد رغم محدودية تعليمه النظامي.
وقدّم المحرقي هذه التجربة بوصفها مثالًا على أن الثقافة لا تُختزل في الشهادات،
بل تُبنى بالشغف والاطلاع المستمر والقدرة على طرح الأسئلة والتفكير العميق.
كما
تطرق إلى دور المجالس البحرينية في تشكيل الوعي وصقل اللغة عبر الحوار والاستماع
والنقاش، وهو جانب مهم في الحياة الثقافية والاجتماعية في البحرين. فهذه المجالس
لم تكن مجرد أماكن للقاء، بل مساحة لتبادل المعرفة وتشكيل الشخصية، وأسهمت عبر
عقود في إنتاج حالة ثقافية واجتماعية مؤثرة.
ومن
الجوانب التي منحت الحوار صدقًا وتأثيرًا حديثه عن بعض التحديات التي واجهها في
بداياته، ومنها قراءته للكتب في أوقات كان يشعر فيها بأن هذا الشغف غير مفهوم من
المحيطين به. هذه التفاصيل البسيطة تكشف حجم الإصرار الذي يدفع بعض الناس إلى
التمسك بالمعرفة رغم الظروف أو العوائق الاجتماعية.
وتعيدني
تجربة المحرقي إلى فترة قديمة حين كان يجلس بالمكتبة كوحيد تائه في بحر المعرفة،
حيث كان شغفه بالكتاب حاضرًا منذ سنوات مبكرة. كما لا يمكن فصل هذه التجربة عن
البيئة الثقافية التي عرفتها السنابس، بما احتضنته من مكتبات منزلية ومبادرات
ثقافية ومشاريع تنويرية، ومنها المشروع الديني للمرحوم الأستاذ أحمد الإسكافي،
إضافة إلى المسابقات والأنشطة الثقافية، ووجود مكتبة سابقة للمرحوم الأستاذ
إبراهيم طريف. هذه التفاصيل تبدو مهمة لفهم كيف تنشأ الشخصيات الثقافية داخل بيئة
تشجع على القراءة والانفتاح والحوار.
ومن
الأفكار التي استوقفتني في حديثه وصفه للقراءة بأنها وسيلة لتعلّم "أدب
الاستماع". فالقراءة، إلى جانب المعرفة، تمنح الإنسان قدرة على الإنصات
والتأمل والصبر على الأفكار المختلفة، وهي مهارات تبدو أكثر أهمية في زمن السرعة
والضجيج والانفعال المستمر.
كما
يكشف تنوع نتاجه الفكري، بين السيرة الذاتية والبحوث الفكرية واللغوية، عن اهتمام
واضح بتعدد مجالات المعرفة وعدم الاكتفاء بمسار واحد. وهذا التنوع يعكس عقلًا يبحث
باستمرار عن الأسئلة الجديدة والزوايا المختلفة للنظر إلى القضايا الفكرية
والاجتماعية.
ولعل
أبرز ما خرجت به من هذا الحوار أن القراءة ليست نشاطًا هامشيًا أو ترفًا ثقافيًا،
بل مشروع طويل لبناء الوعي وتطوير الشخصية. وقد أشار المحرقي إلى أهمية التدرج في
القراءة، ودور الصداقة والمؤسسات والبيئة المحيطة في ترسيخ هذه العادة، وهي
ملاحظات عملية تستحق التوقف عندها، خصوصًا في ظل التحديات التي تواجه علاقة
الأجيال الجديدة بالكتاب.
في النهاية، تبدو تجربة الشيخ المثقف علي المحرقي مثالًا حيًا على أثر القراءة في تشكيل الإنسان وتوسيع أفقه الفكري والإنساني، وهي دعوة للتسامح وقبول الرأي الآخر. وبالتالي بعض الحوارات لا تنتهي بانتهاء الحلقة، بل تترك أسئلة وتأملات تستمر مع القارئ والمشاهد طويلًا، وربما تدفعه للعودة مجددًا إلى الكتاب؛ بوصفه أحد أهم أبواب المعرفة وبناء الوعي.
*
انستقرام علي المحرقي:
@alialmoharaqi
*
لمشاهدة الحوار:
