عاجل

مشهد… حين تتحوّل الغربة إلى هوية وطن

بقلم: أحمد رضي (كاتب بحريني)

هل الوطن مكانٌ تُقاس حدوده بالخرائط، أم معنىً يسكن القلب حتى في زمن العقوبات والاضطراب الإقليمي؟ 

لم تكن زيارتي إلى مشهد مجرّد رحلة إلى مدينةٍ مقدّسة، بل دخولًا في وجدان شعب حيّ، حيث تتقاطع الجغرافيا بالتاريخ، والروح بالسياسة، والذاكرة بالهوية. عند العتبة الرضوية أدركتُ أن بعض الأمكنة لا تُزار للتبرّك فحسب، بل تُقرأ كظواهر إنسانية تعيد تعريف الذات وتفتح نافذة لفهم وطنٍ يتشكّل بالمعاني بقدر ما يتشكّل بالحدود. 

مشهد ليست مدينةً مقدّسة فحسب، بل مركز حضاري يزخر بالعلم والثقافة، حيث تتشابك الحياة اليومية مع الروحانية في مسار متكامل. كما تُظهر العتبة الرضوية دورًا اجتماعيًا وخيريًا ملموسًا؛ فهي مؤسسة تمتد إلى حياة الناس اليومية، تقدّم المساعدات، وتشارك في التعليم والخدمات، فتتجسد القداسة ليس كرمز معنوي فحسب، بل كفاعل اجتماعي يحرك النسيج المجتمعي ويمنح المواطنين شعورًا بالانتماء والمسؤولية.


حين تصنع الشهادة مدينة

يحتلّ الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) مكانةً استثنائية في الوجدان الإيراني؛ فهو الإمام الوحيد من أئمة أهل البيت الذي احتضنته هذه الأرض. غير أن دلالة حضوره لم تقف عند البعد الديني، بل أسهمت في إعادة تشكيل المكان ذاته. فالمدينة التي كانت جزءًا من طوس التاريخية في خراسان تحوّلت، بعد وفاته سنة 818م تقريبًا في عهد الخليفة العباسي المأمون، إلى «مشهد الرضا»؛ أي موضع الشهادة. ومع تعاقب العصور — ولا سيما في العهد الصفوي حيث ازداد الاهتمام بالعمران الديني — ترسّخ الاسم والدور معًا، حتى غلب «مشهد» على سواها. هنا لا يقدّس الحدث المكان فقط، بل يعيد إنتاجه عمرانيًا ورمزيًا؛ تتحوّل الجغرافيا إلى ذاكرة، والموضع إلى هوية.


الغربة: العودة إلى الذات

لقب «غريب الغرباء» لا يُختزل في انتقالٍ قسري من المدينة المنورة إلى خراسان، بل يختزن معنى الغربة بوصفها تجربة إنسانية متجدّدة. في تلك الرحلة السياسية القاسية، التي أرادها المأمون احتواءً للرمز، تحوّلت المناظرات إلى فضاء حوار، ثم آلت التجربة إلى شهادةٍ صاغت رمزًا للكرامة في قلب الإكراه. 

لكن الغربة اليوم لم تعد جغرافيا فحسب؛ إنها اغتراب الإنسان المعاصر في زمن الهجرة القسرية والاقتلاع والعزلة الرقمية. لذلك يجد المهجّرون والمطاردون في تلك السيرة صدىً لتيههم، ويجد القلق الإنساني في الرمز عزاءً أخلاقيًا يرمّم المعنى. وهكذا تنتقل الغربة من حالة ضعف إلى مصدر قوة، ومن عزلةٍ قاسية إلى جسرٍ يعيد الإنسان إلى إنسانيته.


واقعية القداسة: المعنى في قلب الألم

الطريق إلى الحرم يمرّ عبر تفاصيل الحياة اليومية بما فيها من ضيقٍ اقتصادي وضغوطٍ معيشية. غير أن القداسة هنا لا تُنكر الواقع، بل تمنحه معنى. فالإيمان ليس انسحابًا من الألم، بل قدرةً على إعادة تأويله. في الحرم الرضوي تتلاقى حكايات الناس؛ أمٌّ تهمس، شابٌّ يضع جبهته على الشبّاك، ودموع شيخٍ تشقّ الصمت. قد تُقرأ هذه المشاهد اجتماعيًا أو نفسيًا، لكنها في عمقها تبني طاقة أملٍ مشتركة في وجه الانكسار. وحتى حكاية «ضامن آهو» ليست مجرد سردية تراثية، بل استعارةٌ عن توق الإنسان إلى عدالةٍ رحيمة حين تضيق به قوانين الأرض.


الذاكرة في الفضاء العام

ومن يتأمل المشهد الاجتماعي المعاصر في إيران يلحظ حضور ثقافةٍ واضحة لتخليد الشهداء، تشكّلت مع تحولات كبرى مثل الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، ثم الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988) التي رسّخت في الوعي الجمعي معنى التضحية والصمود. في الفضاء العام تتجاور الحياة اليومية مع صور الشهداء وأسمائهم على الشوارع والساحات، كأن الذاكرة جزءٌ من عمران المكان. ليست المسألة استدعاءً للماضي بقدر ما هي تثبيتٌ لمعنى يرى في الألم عنصر تماسك. ومع ذلك، لا يتشكّل هذا الوعي بصوتٍ واحد؛ فداخل المجتمع تنوّعات في القراءة والتقييم، بين من يرى في هذه الرمزية مصدر قوةٍ وهوية، ومن يناقش أثرها السياسي والاجتماعي بعيون نقدية. فالهوية، في نهاية المطاف، حوارٌ دائم لا صورةٌ جامدة.


بين الروحانية والحراك العام

يمتد خيطٌ دقيق يربط الضريح بالحراك العام؛ من قم، مدينة الحوزات، إلى مسجد جمكران حيث يُعاش الانتظار بوصفه أملًا أخلاقيًا، وصولًا إلى ذكرى الثورة التي يستعيدها الإيرانيون كل عام رغم التحديات. غير أن هذا الترابط لا يُفهم إلا بإقرار تعقيد المشهد وتنوّعه، بعيدًا عن التقديس المطلق أو الاختزال السطحي؛ فالوطن ليس كتلةً صمّاء، بل نسيجًا تتجاور فيه الروحانية مع السياسة، والذاكرة مع الواقع.

وإذا كان ضريح الإمام الرضا قد منح المكان معنىً يتجاوز الجغرافيا، فإن فهم إيران المعاصرة يقتضي قراءة هذا المعنى في سياق أوسع؛ سياق دولةٍ تشكّل وعيها بعد الثورة ضمن معادلةٍ تمزج العقيدة بالحساب، والرمز بالسياسة. فكما تُنسج السجادة الفارسية بخيوطٍ متعدّدة الألوان تتشابك لتصنع لوحةً واحدة متماسكة، يتحرك المجتمع والدولة عبر طبقاتٍ متداخلة من الروحانية والذاكرة والمؤسسات، بحيث يبدو التعقيد جزءًا من البنية لا عارضًا عليها. وكما تُدار لعبة الشطرنج بصبرٍ وتقديرٍ للنقلات البعيدة، لا بضربةٍ خاطفة، تتعامل الدولة مع تحدياتها بإدارة الزمن وتراكم الخطوات الصغيرة. وهكذا يلتقي الضريح بالسياسة في خيطٍ غير مرئي: تمنح القداسة المعنى والهوية، وترسم المصلحة إيقاع الحركة وحدودها.


قلبٌ يتجاوز التاريخ

وأنا أغادر مشهد، أدركت أن القداسة هناك لا تَعِدُ بعالمٍ بلا ألم، لكنها تمنح القدرة على احتماله بكرامة. الغربة لا تختفي، لكنها تفقد حدّتها حين تجد معنى. والفقر لا يزول، لكنه لا يعود قادرًا على كسر الروح. لقد تحوّل الإمام الرضا من شخصيةٍ في كتب التاريخ إلى قلبٍ رمزيٍّ لوطنٍ يتألم ويتأقلم ويواصل السير. وفي حضرته يفهم الزائر أن بعض الأوطان لا تُعرَّف بحدودها فقط، بل بالمعاني التي تسكنها، وبالقدرة الدائمة على صناعة الأمل من قلب المعاناة، وللعودة وعد.


* موقع قناة المنا.ر الفضائية:

https://almanar.com.lb/article/585252/



للمشاركة:


Ahmed Radhi
Ahmed Radhi
أحمد رضي - كاتب صحفي وإعلامي مستقل، مملكة البحرين. * مراسل إعلامي سابق لقناة المنار الفضائية، ومتعاون مع العديد من المحطات الإعلامية. * مدون إلكتروني ناشط، وله كتابات سياسية واجتماعية وفكرية منشورة بالصحافة المحلية والعربية والمواقع الإلكترونية. * ناشط حقوقي للدفاع عن حرية الصحافة والإعلام وحقوق الإنسان وكشف الانتهاكات النظام الحقوقية. * عضو بجماعة ١٩ الإعلامية المهتمة بالدفاع عن حرية الرأي والتعبير وقضايا الإعلاميين. * عضو سابق بمرصد البحرين لحقوق الإنسان، وعضو بمنظّمة فرونت لاين ديفندرز (مراسلون بلا حدود). * عضو بلجنة دعم الصحفيين. * تعرض إلى الاعتقال ثلاث مرات عام 1995 آبان الانتفاضة الشعبية، وعام 2012 و2014 بسبب نشاطه الإعلامي، وتم منعه من السفر لخارج البحرين عدة مرات، وحالياً يمارس نشاطه الإعلامي في ظل ظروف صعبة وغير آمنة.



للإشتراك في النشرة البريدية 📩