قراءة: أحمد رضي.
يقدم الأستاذ علي معراج في كتابه الصغير حجماً، والكبير قيمةً، "أبو قسام – الشهيد الفدائي محمد سهوان"، سيرةً مختصرة ومكثفة لأحد أبرز وجوه النضال البحريني المعاصر. لا يهدف الكتاب ليكون سيرة ذاتية شاملة، بل هو أقرب لمجموعة من الومضات والإضاءات التي تكشف عن جوانب شخصية استثنائية لرجلٍ عاش ومات من أجل قضية آمن بها.
يأخذنا الكتاب في رحلة عبر محطات حياة الشهيد محمد سهوان، بدءاً من نشأته في "عائلة حسينية" بقرية السنابس، والتي طبعت شخصيته بحب التضحية والفداء. يستعرض المؤلف الأدوار المبكرة للشهيد، مثل موقفه الحازم ضد انتشار المخدرات في الثمانينات، ودوره الفاعل في انتفاضة التسعينات، والتي قادته إلى أول تجربة اعتقال قاسية استمرت لسنوات.
أحد أبرز فصول الكتاب هو ذلك الذي يصف بطولة "أبو قسام" في "الملحمة الخالدة"، وهي مسرحية جسّد فيها دور "الشمر". يكشف المؤلف كيف كان هذا الدور عبئاً نفسياً هائلاً على الشهيد، الذي كان يجهش بالبكاء حباً وعشقاً للإمام الحسين (ع) وهو يؤدي أصعب المشاهد، مما كان يلهب مشاعر الجمهور ويزيد من تفاعلهم. هذه المفارقة بين قسوة الدور ورقة قلب الممثل تكشف عن عمق إيماني فريد.
يسلط الكتاب الضوء على صمود "أبو قسام" الأسطوري داخل السجون، حيث قضى سنوات طويلة متنقلاً بين "الحوض الجاف" و"سجن جو". يصف الكاتب تفاصيل التعذيب الجسدي والنفسي الذي تعرض له، من الحرمان من أبسط الحقوق إلى العزل الانفرادي الطويل، وكيف واجه كل ذلك بروح فكاهية ومعنويات عالية، فكان "شمعة السنابس" التي تضيء عتمة السجن لرفاقه.
بعد خروجه من السجن، لم يركن "أبو قسام" للراحة، بل انخرط مباشرة في العمل الثوري مع انطلاق ثورة 14 فبراير، ليصبح أحد قادتها الميدانيين. يروي الكتاب كيف أصيب إصابة بالغة بشظايا الشوزن المحرم دولياً، وكيف أدت هذه الإصابة في النهاية إلى استشهاده في 16 مارس 2017 داخل السجن بعد اعتقاله مرة أخرى.
الكتاب، رغم صغر حجمه (56 صفحة)، هو شهادة حية على روح لا تنكسر وإرادة لا تلين. لغة الكاتب بسيطة ومباشرة، تنقل للقارئ مشاعر الفخر والألم، وتجعله يعيش مع الشهيد لحظات قوته وضعفه، صموده وألمه.
في الختام، يمثل "أبو قسام" دعوة مفتوحة للتعرف على سيرة رجلٍ استثنائي، ووقفة تأمل في معنى التضحية من أجل المبدأ. وكما قال الشهيد نفسه: "أنا مستعد أن أموت أو استشهد داخل السجن من أجل أن يكون للأجيال القادمة مستقبل زاهر". هذا الكتاب هو تخليد لهذه الروح الحرة.

