بقلم- أحمد رضي (كاتب بحريني):
كعربٍ ومسلمين، لم نتعلّم الحروب من الكتب، بل من الركام والدم. منذ عام 1991، من حرب الخليج الثانية، إلى غزو العراق وأفغانستان، ثم سوريا واليمن ولبنان، عشنا نمطًا واحدًا يتكرر: صراعات تبدأ بعناوين “التحرير” و“الحماية”، وتنتهي بدولٍ مدمّرة، ومجتمعاتٍ ممزّقة، وأجيالٍ بلا أفق. بعد أكثر من ثلاثة عقود، باتت الحقيقة واضحة: الحروب لا تبني دولًا، بل تهدم الإنسان وتؤجّل المستقبل.
ما تواجهه إيران اليوم ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سيناريو مألوف: عقوبات خانقة، تهديدات عسكرية، وحرب استخباراتية طويلة النفس. هذا النموذج اختُبر سابقًا في العراق وسوريا واليمن، وكانت نتائجه واحدة: تفكيك الدولة، إطالة الصراع، واستنزاف المجتمعات. وحتى ما يُسمّى “اللا-حرب” ليس أقل كلفة، إذ يحوّل المنطقة إلى ساحة سباق تسلّح دائم، فيما تتراجع التنمية والعدالة الاجتماعية.
من موقعنا في الخليج، ندرك أن استهداف دولة مركزية بحجم إيران لن يبقى داخل حدودها. أي انهيار أو فوضى واسعة سينعكس مباشرة على أمن الخليج واقتصاده واستقرار مجتمعاته. لذلك، فإن رفض التصعيد ليس موقفًا عاطفيًا ولا ضعفًا سياسيًا، بل خيار عقلاني في عالمٍ يتجه نحو تعددية قطبية، ويوفّر للمنطقة هامش مناورة لم يكن متاحًا في 1991 أو 2003.
هنا تتكشف ازدواجية المعايير بوضوح صارخ: تُحاصَر إيران وتُهدَّد بذريعة “الخطر النووي”، بينما تمتلك إسرائيل ترسانة نووية خارج أي رقابة دولية، وغير خاضعة لمعاهدة حظر الانتشار، وبدعم أمريكي معلن لحماية تفوقها العسكري النوعي. أي استهداف لإيران لا يهدف إلى منع السلاح، بل إلى منع توازن الردع. وتجارب لبنان وغزة وسوريا تؤكد أن إسرائيل لا تُنهي الصراعات، بل تُطيلها وتديرها. الصمت هنا ليس حيادًا، بل مشاركة ضمنية في شرعنة التفكيك القادم.
لكن رفض الحرب وحده لا يكفي. المطلوب انتقال حقيقي من منطق الأمن القائم على الصواريخ واتفاقيات الحماية، إلى أمنٍ يقوم على التنمية المستدامة، والتكامل الاقتصادي، واحترام حقوق الإنسان. أمن المنطقة لا يُبنى بتكديس السلاح، بل بالجامعات والمستشفيات والمصانع. والسيادة تبدأ من الداخل، حين يصبح المواطن شريكًا في القرار، لا وقودًا للصراعات.
في هذا السياق، يتضح أن المشروع الصهيوني ليس مشروع “أمن”، بل مشروع تفكيك ممنهج للدول ومنع أي توازن ردع إقليمي. كما أن اتفاقيات التطبيع لم تُنتج سلامًا حقيقيًا، بل غطاءً لإعادة تعريف الصراع، وتحويله من قضية وجود وحقوق إلى “خلاف طبيعي” يخدم ميزان القوة القائم.
لهذا، يبقى الردع – رغم النقد المشروع لتجارب استخدامه – الحد الأدنى لمنع الاستباحة الكاملة. فالحق الذي لا تحميه قوة يتحوّل سريعًا إلى خطابٍ أخلاقي معزول عن الواقع.
بعد كل ما عايشناه، لم يعد السؤال: هل تعلّمنا من الحروب؟
بل: هل نملك الشجاعة لرفض حرب جديدة، وكسر منطق الهيمنة الأمريكية، والتدخل الإسرائيلي، وبناء أوطاننا بإرادة حرّة، مع الحفاظ على الردع كشرط للبقاء؟
الوعي اليوم ليس ترفًا فكريًا، بل موقفًا أخلاقيًا… ورؤية للمستقبل.
https://2u.pw/V3fvk
* رأي اليوم- Jan 15, 2026

