عاجل

حين غادرنا الأبيض…

بقلم- أحمد رضي:

كان يومًا يشبه كلَّ الأيام.
هدوءٌ مألوف، بيتٌ يعرف ضحكاته كما يعرف سكينته. لم نكن ندرك أن هذا الاطمئنان هشٌّ، حتى انفتحت تلك النافذة أكثر مما ينبغي، وتحوّلت ثانيةٌ عابرة إلى شرخٍ في نسيج البيت.
خفقة جناحٍ مرتعشة، بياض ينسحب نحو الضوء، ثم غياب. كان بلا لون سوى البراءة. صمتٌ ثقيل سبق بكاء البنات؛ بكاءٌ خافت موجع.
خرجنا نبحث عنه كما يُبحث عن معنى ضائع. ناديْناه باسمه بين فروع الأشجار، وعلى الأسطح. أحدّق ليلًا في السماء، أبحث في الأفق عن نقطة بيضاء تعود، وكأن القلب هو الذي ارتقى.
سألنا الجيران، وبثثنا نداءنا في كل اتجاه. ومع الوقت، تحوّل النداء من بحث إلى صلاة صامتة، ومن رجاء بالعودة إلى استيداعٍ في رحمة الله.
لم يتحوّل البيت إلى مأتم، لكنه فقد نبرته القديمة. نضحك أحيانًا، ثم نصمت فجأة حين تمرّ ذكرى صغيرة.
لم يكن حضوره في حياتنا بديهيًا في البداية؛ قاومنا، ثم تسلّل إلى القلوب بلا استئذان، وصار فردًا من العائلة.
كان مشاكسًا، مرحًا، يشاركنا مائدة الطعام، يقف متغطرسًا فوق الكتف، وأحيانًا يحطّ قرب سجادة الصلاة؛ يلاعب أطراف خيوطها، أو يفرّ بالمسبحة بعيدًا، وقد يقفز على اليد لحظة التسبيح، كأنه يشعر بقدسية طقس لا يفهمه. كان صفاءً يوقظ فينا أفضل ما نملك من حبٍّ وحنان. حتى فوضاه لم تكن مصدر ضيق، بل علامة حياة ودليل وجود.
لم يكن الانتقال من الحزن إلى القبول بالفقد سهلاً. وحين خفّ البكاء، لم تعد النداءات مجرّد رجاء، بل تحوّلت إلى دعاء مستودع:
اللهم إن كان في عودته خير فردّه، وإن كانت حريته خيرًا له فاحفظه وارزقه.
حينها أدركنا أن الحكمة لا تلغي الألم، لكنها تعلّمنا كيف نتقبّله.
وحين هدأ الألم قليلاً، بدا الطائر كصورة مصغّرة لحال الإنسان في هذا الوجود؛ معلقًا بين الخوف والرجاء، لا يأمن السقوط، ولا نجاة له إلا بالتسليم والاعتماد على الرحمة الإلهية.
وحين نتأمل هذا المعنى، نستحضر قول الله تعالى:
﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾
(الأنعام: 38)
وتلك الرحمة خُلُق نبوي متجذّر في ديننا وضميرنا الإنساني:
«في كل كبد رطبة أجر»
ما الذي يبقى؟
غادرنا الأبيض، لكنه ترك خلفه نافذة في أرواحنا لن تُغلق.
نطل منها كلما احتجنا أن نتذكّر أن الحب لا يُقاس بالحجم، وأن الكائنات الصغيرة قادرة على أن تزرع البهجة والحياة في قلوبنا، ثم تمضي.
غاب الطائر، وبقي الأثر… أثر يعلّمنا أن الرحمة ليست ضعفًا، بل وعيًا، وأن من يتعلّم أن يحب طائرًا، يتعلّم كيف يكون أكثر خفّة في مواجهة ثِقل الوجود.

للمشاركة:


Ahmed Radhi
Ahmed Radhi
أحمد رضي - كاتب صحفي وإعلامي مستقل، مملكة البحرين. * مراسل إعلامي سابق لقناة المنار الفضائية، ومتعاون مع العديد من المحطات الإعلامية. * مدون إلكتروني ناشط، وله كتابات سياسية واجتماعية وفكرية منشورة بالصحافة المحلية والعربية والمواقع الإلكترونية. * ناشط حقوقي للدفاع عن حرية الصحافة والإعلام وحقوق الإنسان وكشف الانتهاكات النظام الحقوقية. * عضو بجماعة ١٩ الإعلامية المهتمة بالدفاع عن حرية الرأي والتعبير وقضايا الإعلاميين. * عضو سابق بمرصد البحرين لحقوق الإنسان، وعضو بمنظّمة فرونت لاين ديفندرز (مراسلون بلا حدود). * عضو بلجنة دعم الصحفيين. * تعرض إلى الاعتقال ثلاث مرات عام 1995 آبان الانتفاضة الشعبية، وعام 2012 و2014 بسبب نشاطه الإعلامي، وتم منعه من السفر لخارج البحرين عدة مرات، وحالياً يمارس نشاطه الإعلامي في ظل ظروف صعبة وغير آمنة.



للإشتراك في النشرة البريدية 📩