بقلم: أحمد رضي
تمضي الأعوام، وتتوارى تفاصيل كثيرة في غبار الزمن، غير أنّ الذاكرة الوطنية عصيّة على المحو؛ فهي تحتفظ بوجوهٍ لا تشيخ، وأصواتٍ لا يخفت صداها مهما طال الزمن. ومن بين تلك الوجوه التي ارتسمت عميقًا في وجداننا، يطلّ وجه شيخنا الجليل عبد الأمير الجمري (رحمه الله)، بوصفه علامةً مضيئة في سجلّ البحرين الروحي والوطني.عرفته عن قرب في مواسم عاشوراء، حين كان صوته يجلجل من على منبر مأتم أنصار الحسين في البلاد القديم، ومأتم بن سلوم في قلب المنامة. لم يكن خطيبًا عابرًا، بل كان كتابًا مفتوحًا؛ نقرأ في صفحاته سنن الأولين، ونستلهم من سطوره دروس الوعي والصبر والمقاومة. كانت كلماته مشبعة بالحماسة الثورية، وقصائده مرآةً لعشقٍ صافٍ لآل البيت (عليهم السلام)، عشقٍ لا يعرف المساومة ولا الانكسار.
في تلك المرحلة، وجدنا نحن الشباب –المتطلعين إلى غدٍ أفضل، والمشحونين بحلم التغيير– في سيرة “أبي جميل” ملاذًا روحيًا. كان أبًا قبل أن يكون شيخًا؛ يصغي بعمق، ويحتوي القلق، ويجتهد في مداواة جراح الشباب، إمّا بلقاءٍ مباشر، أو بخطبةٍ حسينية تتحوّل إلى بوصلة تهدينا الطريق وسط العتمة.
ولم تقتصر علاقتي به على المنابر العامة، بل امتدت لتلامس حياته اليومية في معقله ببني جمرة. كنت أرى امتداد سَمتِه الطيب في وجوه أبنائه الكرام، الذين جمعتني بهم علاقة ودّ وتقدير. ولا أنسى مجالسه العامرة بالذكر والنقاش في ليالي شهر رمضان.
ثم جاءت انتفاضة التسعينيات، محمّلةً بذكرياتٍ محفورة في القلب والعقل والروح؛ لأن الجرح لم يلتئم بعد. فمعاناة هذا الوطن ما زالت مستمرة، ولن تتوقف إلا بتحقق مطالب الشعب في الحرية، والعدالة، والكرامة الإنسانية.
وقادني نشاطي الإعلامي إلى مزيدٍ من القرب من الشيخ الجمري، ذلك القرب الذي كشف لي حجم الدور الإسلامي والوطني الذي اضطلع به، بهدوءٍ واتزان، دون ضجيج أو ادّعاء. ورغم ما شهدناه من اختلافاتٍ مرحلية مع بعض التيارات السياسية، سواء في أسلوب التعاطي مع السلطة أو في الموقف من مشروع الميثاق الوطني، فإن تلك التباينات لم تنل يومًا من مكانته في قلوبنا، ولا من احترامنا العميق لتاريخه وتضحياته.
لقد عاش الشيخ عبد الأمير الجمري حيواتٍ متعددة في حياةٍ واحدة؛ كان مواطنًا، وطالب علم، ورجل دين، وقاضيًا، ونائبًا برلمانيًا. ثم صار معتقل رأي، وخاض تجربة الإقامة الجبرية، متنقّلًا بين أدوار اجتماعية ووطنية شاقة، ودافعًا أثمانًا باهظة، حتى اختاره الله إلى جواره.
خالص العزاء لأسرة “أبي جميل”، ورحمة الله على الفقيد السعيد، والمغفرة لكل من قرأ الفاتحة على روحه الطاهرة.
